محمد أبو زهرة
3877
زهرة التفاسير
استيأس الرسل اعتراهم اليأس الشديد ، واستولى على نفوسهم كأنهم طلبوه ، وما طلبوه ، وصارت حالهم يأسا ، وصور صورة من يأسهم ، فقال ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جال في روعهم أنهم كذبوا ، ولم يعد مجال للإيمان أو النصر ، وهنا قراءتان في كُذِبُوا القراءة الأولى بالتخفيف والبناء للمجهول ، وهي قراءة الأكثرين ، والثانية بتشديد ( الذال ) للبناء للمجهول أيضا ، وهي قراءة أم المؤمنين عائشة رضى اللّه عنها وأرضاها ، وطائفة من القراء بعدها « 1 » . والمعنى على قراءة التخفيف كما جاء في مفردات الراغب الأصفهاني علموا أنهم تلقّوا من جهة الذين أرسلوا إليهم بالكذب ، أي ظنوا أن الذين تلقّوا عنهم أخبار الإنذار يظنون الكذب فيهم ، وإليك نص عبارة الراغب رضى اللّه عنه : قوله تعالى : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا أي علموا أنهم تلقّوا من جهة الذين أرسلوا إليهم بالكذب ، فكذبوا نحو فسقوا ، وزنوا - إذا نسبوا إلى شئ من ذلك ، والمعنى على هذا ظنوا أنه وقع في نفوس من يخاطبون كذب ما أنذروا . أي أنه قد طال الأمد الذي أجلوه ، حتى توهم الرسل أن الذين يخاطبونهم من المشركين قد وقع في نفوسهم كذب الرسل ، واتخذوا من المطاولة في الزمن ، أنهم كاذبون في إنذارهم ، واتخذوا من طول الزمن دليلا على كذبهم . وعلى قراءة التشديد يكون المعنى أن الرسل قد استيأسوا حتى ظنوا أي علموا أنهم كذّبوا فيئسوا من إيمان غير من آمنوا ، كما قال اللّه تعالى : . . . لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ . . . ( 36 ) [ هود ] . والظن هنا بمعنى العلم ، أو بمعنى ما يعرض للبشر عند اليأس من خواطر تجعلهم يظنون في أمر المبعوث إليهم ، ولننقل لك كلام الزمخشري في هذا ، فهو يدل على نفاذ بصيرة في معاني العبارتين ومراميها من غير تهجم ، ولا تقحّم على
--> ( 1 ) قراءة كذبوا بالتخفيف عاصم وحمزة والكسائي وخلف ، ويزيد ( أبو جعفر ) ، وقرأ الباقون بتشديد الذال . غاية الاختصار ج 2 / 530 .